محمد داوود قيصري رومي
649
شرح فصوص الحكم
وللحق أيضا جنات ثلاث ، تقابلها ، لذلك قال تعالى : ( فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) . فأضاف إلى نفسه . فأول جناته ، الأعيان الثابتة ، لأنه بها يستر ، فيشاهد ذاته بذاته من وراء أستار الأعيان الثابتة . والثانية ، استتاره في الأرواح بحيث لا يطلع عليه ملك مقرب ولا غيره . والثالثة ، استتاره في عالم الشهادة بالأكوان ، ليشاهد عوالمه من وراء الاستتار بحيث لا يشعر عليه الأغيار . وهذا بحسب استتار ذاته في الذوات في عوالمها ، وكذلك استتاره بحسب الصفات والأفعال في صفاتها وأفعالها . فالعارف إذا قيل له : ( أدخل جنتي ) لم يفهم منه إلا : أدخل ذاتك وعينك وحقيقتك ، لتجدني فيها ويشاهدني بها . لأن مطلوبه الحق فقط . بخلاف غير العارف ، فإن جنته ما فيه حظوظ نفسه من المشارب والمآكل والمناكح وما يتعلق بها . لذلك قال ( رض ) مترجما عن الحق : ( وليست جنتي سواك ، فأنت تسترني بذاتك ) . وتكون وقايتي في ذاتي وصفاتي وأفعالي بذاتك وصفاتك وأفعالك . ( فلا أعرف إلا بك ، كما أنك لا تكون إلا بي ) . أي ، لا أظهر في الأكوان إلا بك . فإنك مرآة ذاتي ومجلي صفاتي ومحل تصرفي وولايتي ، كما أنك لا توجد إلا بي ، لأنك من حيث أنت عدم محض . ( فمن عرفك عرفني ) . أي ، من عرفك حق معرفتك ، عرفني ، فإن حقيقتك أنا . ( وأنا لا أعرف ، فأنت لا تعرف ) . أي ، لا يمكن لأحد أن يعرف حقيقتي وكنه ذاتي ، فأنت لا تعرف في الحقيقة . قال الشيخ ( رض ) في قصيدة له : ( ولست أدرك من شئ حقيقته وكيف أدركه وأنتم فيه ) ( فإذا أدخلت نفسك ) وفي بعض النسخ : ( فإذا دخلت ) ( جنته ، دخلت نفسك ، فتعرف نفسك معرفة أخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إياها ، فتكون صاحب معرفتين : معرفة به من حيث أنت ، ومعرفة به بك من حيث هو ، لا من حيث أنت ) . أي ، إذا دخلت جنته ، دخلت نفسك وذاتك وشاهدت أسرارها وما فيها من أنوار الحق وذاته ، فتعرف نفسك معرفة أخرى